عماد الدين خليل
54
دراسة في السيرة
العظيمة التي واجه بها هذا الموقف بأمر ربه ، بما كان يوجهه إلى الزعيم القوي الغني الطاغي : المغيرة بن هشام المخزومي ، مما يوحي إليه من آيات فيها الصفعات الداميات والشرر المحرق : كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ . فَلْيَدْعُ نادِيَهُ . سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ . كَلَّا لا تُطِعْهُ . . . « 1 » . ثم بما كان من تثبيت القرآن له على دعوته وعبادته وثباته فيهما فعلا ، تبين لنا العظمة الخلقية والإيمان العميق والجرأة الشديدة في الحق على كل باغ مهما كان قويا عاتيا . ولقد كان هذا دأبه في كل المواقف التالية لهذا الموقف العصيب سواء كانت في الخطوات الأولى أو ما بعدها ، وفي هذا سر من أسرار اصطفائه للرسالة العظمى من دون ريب « 2 » . [ 2 ] وما لبث الوقت أن حان لإعلان الدعوة ، وأصدر اللّه سبحانه أمره إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن ( يصدع ) بما جاءه منه وأن يتجاوز الطور السري للدعوة الذي استغرق ما يزيد على الثلاث سنوات إلى الجهر والعلن تنفيذا لأمر اللّه فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ « 3 » ولقوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ « 4 » وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ « 5 » . وقد بدأ الرسول صلى اللّه عليه وسلم الدور الجديد للدعوة بأن صعد إلى الصفا ودعا بني المطلب أن يجتمعوا إليه ، فاجتمع إليه منهم حوالي الأربعين ، فيهم عدد من أعمامه ، وبدأ حديثه معهم : يا بني فلان ، يا بني عبد المطلب ، يا بني عبد مناف أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل ، أكنتم مصدقيّ ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقاطعه أبو لهب ساخرا : تبا لك ! ! ما جمعتنا إلا لهذا . ثم انصرف بنو عبد المطلب في أعقابه « 6 » . ومن الطبيعي أن يبدأ الرسول دعوته العلنية بإنذار عشيرته الأقربين ، إذ أن مكة بلد توغلت فيه الروح القبلية ، فبدء الدعوة بالعشيرة قد يعين على نصرته
--> ( 1 ) سورة العلق : الآيات 15 - 19 . ( 2 ) دروزة : سيرة الرسول 1 / 162 . ( 3 ) سورة الحجر : الآية 94 . ( 4 ) سورة الشعراء : الآيتان 214 - 215 . ( 5 ) سورة الحجر : الآية 89 . ( 6 ) الطبري : تاريخ 2 / 319 ، البلاذري : أنساب 1 / 119 - 121 ، ابن سعد 1 / 1 / 133 ، ابن الأثير : الكامل 2 / 60 - 63 ، ابن كثير : 3 / 38 - 41 .